لون صفحتك !  الازرق الاحمر الاخضر البنفسجي
بحث
الصفحة الرئيسية
من متواجد الآن
9 متواجد (3 في المقالات)

عضو: 0
زائر: 9

المزيد
أعضاء جدد
حنظلة 2010/8/30
martinva 2010/8/29
محمد دحلان 2010/8/11
drmohammed 2010/8/9
rogermcc 2010/8/5
usam81 2010/8/4
بطل المعارك 2010/8/4
الرفيق حسام زيود 2010/8/3
aliae 2010/7/31
arroy 2010/7/28
رقم المقالة : 6120
المشاهدين : عام
النسخة :  1.00
تاريخ النشر: 2010/1/28 17:37:18
القراءات : 300
قصة

الذواقة

 

بقلم : ممدوح حمادة

 

الذواقة هو المنصب الوحيد الذي لا يتطلب جهدا، بل على العكس يمكن اعتباره نوعا من الراحة، فكل ما يتطلبه العمل في هذه المهنة هو مشاركة الملك طعامه، الشرف الذي لا يحصل عليه بشكل يومي ثلاث مرات على الأقل،


سوى الذواقة، إضافة إلى أن هذه المهنة كانت توفر فحصا طبيا يوميا للشخص الذي يمارسها، فبعد كل وجبة يخضع الذواقة لفحص طبي دقيق، وأي تغير يطرأ على صحته، مهما كان طفيفا، يجعل الفريق الطبي للملك يقوم بفحصه وعلاجه بشكل يجعل المرض يندم لأنه تسلل إلى جسمه.

لهذا فقد كان العمل في هذه المهنة حلما يطمح في الوصول إليه جميع أفراد الحاشية السفلى للملك، وكانت تحدث الكثير من المؤامرات لكي يتمكن بعض أفراد الحاشية من تحقيق هذا الحلم.

لم يكن أحدهم أبدا يخشى أن يدس شخص ما السم في طعام الملك، فطباخ الملك كان رجلا موثوقا تعرض لألف امتحان في إخلاصه قبل أن يحصل على هذا الشرف، إضافة إلى ذلك فقد كانت عشرات العيون تراقب كل حركة يقوم بها منذ أن يستيقظ إلى أن ينام، وحتى لو أراد دس السم فلن يجد وسيلة لإيصاله إلى المطبخ، وأي شخص آخر يفكر في ذلك فإنه يعرف سلفا أن الأمر سينكشف عند الذواقة، وقبل وصول السم إلى الملك، وأنهم سيجرون تحقيقا لن ينتهي قبل كشف الفاعل، وعندما يصلون إلي ذلك الفاعل فإنه سيسحق كصرصار تحت نعل، لهذا فقد كان الذواقة يأكلون دون أدنى قلق.

يجتمعون كل يوم في غرفة الطعام قبل ساعتين من مواعيد وجبات الملك، وفي ذلك اليوم كما في كل الأيام، كان الذواقة الخمسة في الساعة الثانية عشر تماما يجلسون كل مكانه خلف الطاولة المخصصة لذلك.

أشار رئيس الحرس الملكي بيده للخدم فأحضروا رغيفا من الخبر قطع نصفه إلى خمس قطع وترك نصفه الآخر قطعة سادسة وضعت على صينية من الذهب، وضعت أمام كل من الذواقة  قطعة من القطع الخمس ثم أشار لهم رئيس الحرس فتناول كل منهم قطعته، بعد ذلك انتظر رئيس الحرس ربع ساعة ثم رفع يده في إشارة أخرى دخلت بعدها مجموعة من الأطباء قاموا بفحص عيون الذواقة الخمسة وحلوقهم وقاسوا لهم الضغط ثم أخذوا عينة من دم كل منهم وأبلغوا رئيس الحرس أن الفحص الأولي لا يشير إلى أي مشكلة في الخبز ثم أشار لهم رئيس الحرس فانصرفوا، بعد ذلك رفع يده مرة أخرى فدخل الخدم يحملون ست قطع من اللحم وزعت خمس منها على الذواقة ووضعت السادسة  في صحن ذهبي على الصينية الذهبية، تناول الذواقة اللحم ، وبعد ربع ساعة أعطى رئيس الحرس الملكي إشارته المعهودة فدخل الأطباء وقاموا بنفس الإجراءات، وتكرر ذلك مع  الشراب وبقية الأطعمة التي تتكون منها وجبة الملك، ثم انصرف الذواقة إلى غرفة مخصصة لهم وجلسوا ينتظرون النتيجة.

في الساعة الثانية أحضر رئيس الأطباء تقريره الذي يحمل نتائج تحاليل المخبر فاطلع رئيس الحرس الملكي عليه وطلب من رئيس الأطباء توقيعه فوقعه الطبيب، ثم طواه رئيس الحرس ووضعه في جيبه ودفع عربة الطعام الملكي باتجاه غرفة الملك.

كان الملك جالسا خلف الطاولة يفكر في أمر ما عندما كان رئيس الحرس يوزع الأطباق أمامه، وعندما انتهى تراجع إلى الخلف وأعلن بصوت رقيق:

-          الطعام جاهز جلالتكم.

ألقى جلالته إلى رئيس الحرس نظرة لم يدرك الأخير فحواها، ولكن تهيأ له أن الملك يشعر بالقرف لأمر ما، غير أنه شد نفسه ووقف باستعداد وحنى رأسه في حركة سريعة كما يفعل دائما عندما ينظر الملك إليه.

عاد الملك بعينيه نحو الطعام وأخذ يحدق فيه ثم أمسك بشوكة الطعام وغرزها في اللحم وأمسك بالسكين  ووضعها على اللحم أيضا ولكنه لم يقطعه، تابع التحديق في الطعام بعينين فيهما تعبير يراه رئيس الحرس الملكي للمرة الأولى.

غرق الملك في تفكير عميق استمر عدة دقائق قبل أن ينتفض فجأة ويرمي بالسكين جانبا ويضع يده اليمنى على يسار الأطباق الذهبية ويدفعها بعنف مبعثرا إياها على الأرض، وصرخ:

-          مللت..

ثم نظر إلى رئيس الحرس نظرة حزينة أثارت شفقة رئيس الحرس وكرر:

-          مللت..

كانت نظرة يراها رئيس الحرس للمرة الأولى، رأى في عيني الملك الغضب، ورأى الحقد والنشوة والفرح وكل المشاعر الأخرى، أما الألم والحزن فإنه يراه في عيني الملك للمرة الأولى.

-          عفوك يا مولاي.. عفوك.. سنأمر الطباخ بتجهيز وجبة أخرى في الحال.

-          مللت الطعام.. مللت كل شيء.. كل شيء..

تابع الملك بنفس الصوت الحزين ، ثم دفن رأسه في راحتيه وأخذ يبكي.

وبعد قليل رفع رأسه والتفت نحو رئيس الحرس نظرة رأى فيها رئيس الحرس الجنون :

-          أحضر لي سما.. أريد أن أنتحر.

صعق رئيس الحرس لهذا الطلب وشد جسمه وأخذ وضعية الاستعداد كما هي العادة وفكر في نفسه : ( إنه يختبر إخلاصي) ، ولكنه لم يدر ما عليه فعله ونطق بصعوبة بالغة:

-          فدتك روحي يا مولاي.. ننتحر جميعا دون شعرة من رأسك.

ضرب الملك بيده على الطاولة وقال كاتما غضبه:

-          أريد.. سما.. لكي أنتحر.. ولا أريد أن أسمع أي كلام آخر..

ثم نظر إلى رئيس الحرس وتابع:

-          هل فهمت؟

رئيس الحرس شد جسمه من جديد وقال بحماس وهو لا يزال يظن أن الملك يختبر إخلاصه:

-          اسمحوا لي أن لا أنفذ هذا الأمر يا مولاي.

ثم شد جسمه وحسن وضعية الاستعداد، بينما نهض الملك غاضبا وصفعه صفعة قوية جعلت رئيس الحرس يرتد إلى الخلف وقد كاد يفقد توازنه، بينما اقترب منه الملك وأخذ يصرخ في وجهه:

-          مللت تملقك.. مللت كذبك.. مللت رؤية سحنتك هذه كل صباح.. أحضر لي السم في الحال.. أريد أن أنتحر.

أي أحمق كان يمكنه أن يشعر بالصدق في كلام الملك، ولكن رئيس الحرس كان لا يزال يعتقد أن الملك يختبر إخلاصه فصاح بحماس:

-          لن أنفذ هذا الأمر حتى لو حكمتم علي بالإعدام.

لم يحتمل الملك هذا التمرد من شخص مهمته تنفيذ الأوامر فانهال عليه صفعا حتى أسقطه ثم بدأ بركله بدون رحمة صارخا:

-          منذ متى تناقش أوامري أيها الوغد.. أحضر السم في الحال.

فهم رئيس الحرس بعد أن فهمت الجدران أن الملك صادق فيما يقول فزحف باتجاه الباب وهو يردد:

-          أمركم مطاع يا مولاي.. سيكون السم عندكم بعد لحظات.

الذواقة الخمسة كانوا يلعبون الورق في غرفتهم عندما دخل أحد الحراس وأبلغهم أن رئيس الحرس يطلبهم بشكل عاجل،  وهو أمر معتاد عندما يزور الملك ضيف مهم، حيث يقومون بتذوق الطعام والشراب قبل تقديمه لهذا الضيف.

في غرفة الطعام كان رئيس الحرس قد وضع قطرة من خمسة أنواع فعالة من السم في خمسة كؤوس عصير، فكما هو مسؤول عن تأمين حياة هنيئة للملك كان مسؤولا عن تأمين ميتة هنيئة، لذلك كان عليه أن يختبر السم الأكثر فاعلية الذي يؤدي إلى موت فوري ولا يتسبب بأي معاناة.

دخل الذواقة الخمسة والسرور باد على وجوههم وجلس كل منهم في مكانه المحدد في انتظار الإشارة المعهودة التي تلقوها في الحال، شرب كل كأسه فسقط أحدهم قبل أن يصل العصير إلى معدته، بينما أخذ الآخرون يتلوون، وكان هذا كافيا لمعرفة السم المطلوب للموت الملكي، فوضع منه قطرة في الكأس وحمل الصينية الذهبية وتوجه إلى غرفة الملك.

عندما فتح رئيس الحرس الملكي الباب شاهد فتاة تجلس على ركبتي الملك وتطوق عنقه وتقبل صدغه، بينما كان الملك قد أغمض عينيه وارتسمت على وجهه ملامح اللذة، أدرك رئيس الحرس أن مزاج الملك قد تعدل وأنه لم يعد بحاجة للسم، فانسحب بهدوء قبل أن يشعر الملك بدخوله فيجبره على تناول ذلك العصير، وأغلق خلفه الباب بهدوء.

في غرفة طعام الذواقة وضع رئيس الحرس الملكي الصينية الذهبية على الطاولة، ثم تناول كأس العصير وسكبه في المغسلة وفتح صنبور المياه لطرد السم إلى البواليع وأمر أحد مساعديه أن يختار له خمسة من أفراد الحاشية للعمل كذواقة جدد لطعام الملك، ولم ينس تنبيهه بأن يتأكد من إخلاصهم.

بينما كان باقي أفراد الحراسة يجرّون خمسة جثث هامدة إلى خارج الغرفة.

 

 

---------------

 

الذواقة

 

(من مجموعة: بستان الأباطرة)

 

0
|  روابط 
تحظير للطباعة أرسل هذه المقالة الى صديق
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع
    Powered by XOOPS 3.0 © 2007-2009 المقالات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع----- جميع الحقوق متاحة بما يخدم صراعنا مع اليهود